2 ـ شعر الملوك وخصائصه العامة :
أ ـ شعر الملوك : إذا كان لكل أمير ((ميزة اختص بها دون جيرانه : فامتاز المتوكل صاحب بطليوس بالعلم الغزير،وامتاز ابن ذي النون صاحب طليطلة بالبذخ البالغ ،وفاق ابن رزين صاحب السهلة أنداده في الموسيقى ،واختص المقتدر بن هود صاحب سرقسطة بالعلوم،وبزَّ ابن طاهر صاحب مرسية أقرانه بالنثر الجميل المسجوع ،أما الشعر فكان أمرا مشتركا بينهم جميعا يلقى منهم كل رعاية ولكن عناية بني عباد أصحاب إشبيلية به كانت أعظم وأشمل)).[1] ولعل هذه العناية بالشعر والشعراء من قبل الحكام كانت لها أسبابها الوجيهة ،كنا قد ألمعنا إلى بعضها ،إلا أن السبب الرئيس في هذا الاهتمام يعود إلى كون معظم هؤلاء الأمراء والملوك شعراء ،وأدباء إما قالوا الشعر ،أو حاولوا أن يقولوه ، ويكفي لتبين ذلك أن نتصفح كتاب الذخيرة أو كتاب الحلة السيراء ،لنرى مبلغ مساهمتهم في هذا اللون من النشاط الأدبي.
فمن هذه النماذج مانجده عند صاحب المرية أبي محمد بن معن بن صمادح التجيبي الملقب بالمعتصم وبالواثق بالله ، الذي لزم جماعة من كبار الشعراء من مثل ابن الحداد ،وابن عبادة وابن مالك.
فمن شعر المعتصم بعد وفاة إحدى كرائمه يروى عنه أنه ركب من قصره وأمر بمواراتها ثم قال :[البسيط ]:[2]
لمـَّاغدَاالقلبُ مفجوعاً بأسودِه وفُـضَّ كلُّ ختامٍ من عزائمه
ركبْتُ ظهرَ جوَادي كيْ أُسِلّـيَه وقُلْتُ للسَّيف:كنْ لي مِنْ تمائمه
ومن وصفه الذي عُرف عنه ، ما أنشده بديها ـ وهومنشرح النفس ،مجتمع الأنس ـ في موضع يتداخل الماء فيه ،ويتلوى في نواحيه،أمام مرأى الوزراء والشعراءقــائلا :[البسيط] :[3]
انْظرْ إلى حُسْنِ هذا الماءِ في صَـبَبِه كأنَّه أرقـمٌ قدْ جَـدَّ في هَربِه
ولما بلغه عن ذي الوزارتين أبي بكر بن عمار هناتٌ ،لم تطرق جفونه بها سناتٌ وكانت بينهما جفوة فرقت ما بين الصحب والخلان، اضطر ابن عمار مكاتبته ،فلم يلتفت أبو يحي إليه أول الأمر وبعد بلوغه غضب ابن عمار ،كتب إليه مراجعا،ومعاتبا أبيات يضمنها خلاصة تجاربه مع خلانه الذين لم يُسرَّ يوما بأحد منهم ، فيقول :[الطويل ]:[4]
وَزهَّدَنيِ في الناسِ مَعْرِفَتي بهِم وطُولُ اخْتبَاري صَاحبًا بعدَ صاحِـب
فلَمْ تُرِني الأيامُ خِلاًّ تَسُرُّني مبَادِيه إلاَّ سَــــاءَني في العَواقـبِ
وَلاقُلْتُ أرجُوهُ لِدَ فْعِ مَلَمَّة مِنَ الدَّهْر إلاَّ كانَ إحْدى النَّوائِـــب
وأثناء تنـزهه في إحدى الحدائق الغناء ،ومسارحها الفيحاء ،هيّـجته ذكرى إحدى حظاياه وأزعجته وأرّقته فكتب إليها في رقعة طـيّرها إليها في جناح حمامة ، في قــوله: [الطويل]:[5]
وحـمّلْـتُ ذاتَ الطُّـوقِ مـنّي تحـيـةً تكونُ على أُ فْقِ المريّة مِجْـَمرا
تبلّغُ مِن وُدِّي إليكُـم رسَـائـــــلا بأِعْبَقَ مِن نَشْر العَبيرِ وأعْطَــرا
وكان من مكاتباته التي كانت بينه وبين الوزراء والأمراء ،تلك التي أرسلها إلى المعتمد محمد بن عباد صاحب إشبيلية ـ الذي اتهمه بالسعي عليه عندابن تاشفين ـ رادا على إهانته له شاكرا ،ولِبرّه ذاكرا وإحلالا له عَلَمًا بين الشمس والقمر ،فيقول:[البسيط]:[6]
شُكْرِي لبِرّكَ شُكْرُ الرَّوْضِ لِلمَطر ونَفْحُ بِشْرِي بهِ أذْكَى مِن الزّهَـر
وجَاءَني مُخْبِرٌ عنْـه ،فَقُلتُ له : باللهِ قُـلْ وأعِدْ ياطيِّبَ الخـَبــر
ياواحِداً عَلَمًا في كلِّ مَنْـَقَـبة جَلَّتْ ويَا ثالثًا للشمسِ والقَـمـر
لَئِنْ حُرِمْتُ لقاءً مِنكَ أشكُرهُ لقَدْ حَلَلْتَ سَوادَ القلبِ والبصَــر
قال عنه صاحب القلائد (( وكان له نظم أرج النفحة ،بهج الصفحة ،يصف به مجالس إيناسـه ويصرفه بين ندمائه وكاسه )) [7] . وهو الذي قال :" نُـغِّـصَ علينا كلُّ شـيْء ،حتى الموت "
فبكت إحدى حظاياه ،فرمقها بطرفه الكليل ،وقال وهـو يتنفس الصعداء من حر الغليل :[متقارب][8] :
تَـرَفَّقْ بِدَمعِكَ لاَ تُفْـنِه فَبَيْنَ يَدَيْكَ بُكاءٌ طَويل.
فكانت بذلك أشعاره ـ على الرغم من قلتها ـ تدور في فلك المجالس ،على نغمات كؤوس الراح التي تملأ عقولهم، وتجعلهم يستذكرون حظاياهم ،فيقولون في ذلك شعرا ،أو تتضمن مكاتباته مع خلانه وأصفيائه مراجعة ، أو بيان قديم وُدّ جمعهم .
أما بنورزين؛ أصحاب السهلة ،فكان مؤسس دولتهم هذيل بن عبد الملك ،قد خلّف على الرياسة عبد الملك ابن هذيل بن رزين ،ذا الرياستين حسام الدولة أبا مروان(ت.496هـ) وقد طال أمد حكمه حتى بلغ ستين عاما قال عنه صاحب القلائد (( وكان ذو الرياستين منتهى فخارهم وقطب مدارهم ...وله نظم ونثر ما قصر عن الغاية،ولا أقصرا عن تلقي الراية،وقد أثبت منهما نبذا تروق شموسا ،وتكاد تشرب كؤوسا [9])).
ورويت له أشعار في أغراض متعددة، يدور معظمها حول الفخر، والوصف والنسيب.
ففي المجال الأول يقول مفتخرا بنفسه :[الخفيف]:
أنَا مَلكٌ تجَمَّعتْ في خمَسٌ كُلُّهَا لِلأنَامِ مُحْي مُمِيت
هِي:ذِهْنٌ وحِكمَةٌ ومَضَاء وكلاَمٌ في وقتِه وسُكوت
جاعلا نفسه في مرتبة عليا ،لايبلغها إلا من سعى إليها سعيا حثيثا ،طالبا من الذي يريد إدراك منزلته أن يحكيه في الكرم والشجاعة ،والقلم ،فيقول:[البسيط] :[10]
شأوْتُ أهلَ رَزِين غَـْيَر مُحْتَفل وهُـمْ على مَا عَلِمْتم أفضلُ الأُمَــم
قومٌ إذا حُورِبُوا أفْنُوا وإنْ سُئِلُوا أغْنوا،وإنْ سُوبِقُوا حَازُوا مَدَى الكَرم
ومَا ارْتَقَيْتُ إلى العَليَا بِلاَسبَب هَيْهاتَ،هَلْ أحَدٌ يَسْعَى بِــلاَ قَـدم؟
فمَنْ يَرُمْ جاهِداً إدراكَ مَنْزِلتي فَلْيَحْكِني في النَّدَى والسَّيفِ والقَلَـم
وفي هذه المعاني قال عنه الفتح بن خاقان (( كان غيثا للندى ،وليثا على العدا ،وبدرا في المحفل وصدرا في الجحفل،وله نظم ونثر ما قصرا عن الغاية)).[11]وحين نتأمل هذه الأبيات نجد "أنا " المتنبي،تسري فيها سريانا واضحا،وافتخاره بنفسه لدرجة أن اجتمعت فيه صفات خمس لو توافرت في شخص لبلغ الكمال البشري .
أما في الوصف ،فيبدع في التصوير حين يؤنْسن الروض ويبعث فيه القدرة على إيقاظ النفوس حينما يكسوه الطلّ،وتتراقص الأغصان وقتما تلامسها الريح. ويزداد حسن تصويره أكثر بتشبيهه لانسياب الماء وجريانه بمِـبْرد كسرته راحة الريح ،وصفاءه بحسام صقيل مجرد ، على أوتار حمائم غُـرّد ،في جو يبعث على الاستمتاع بالحياة،واقتناص الملذات في قوله:[البسيط]:[12]
وَرَوضٍ كسَاهُ الطلُّ وَشْياً مُجَدَّدا فأضحَى مُقِيمًا لِلنفوسِ ومُقْــعِدا
إذَا صَافحَتْه الريحُ ظلَّتْ غُصُونُه رَواقِصَ في خُضرمِنَ العصبِ مِيـدا
إذَا مَاانْسيَابُ الماءِ عَاينَت خلتَه وقد كسّرتْهُ راحةُ الريحِ مِـــبْرَدا
وإنْ سَكنتْ عنه ،حَسبْتَ صفاءَه حُسَامًا صَقِيلا صَافيَ المتْنِ جُــردا
وغنّتْ به وُرْقُ الحمَائمِ حولنـَا غِناءً يُـنَسِّينا الغَريضَ ومَعْـــبَدا
وله في خليط ودع ، وأسال فراقه الدمع ،سكب عبد الملك بن رزين لأجله عواطفه الملتاعة ، ودموعه السيالة على فراق الأحبة الذين يخشى ألحاظهم إذا سلت سيوفها أكثر مما يهاب سيوف الحرب :[الطويل]:[13]
دَعِ الدَّمعَ يُفْنِ الجَفْنَ لَيْلةَ وَدَّعُـوا إذَا انْقَلبُوا بالقلبِ لاكانَ مَدْمَــعُ
سَرَوا كاغْتداءِ الطيرِلاالصَّبرُبَعدَهم جمَيلٌ ولا طُولُ النَّدامَة يَنفَــــعُ
أَضِيقُ بِحَمْلِ الفادحَات مِنَ االنوى وصَدري مِن الأرض البَسيطةِأَوْسَـعُ
وإنْ كُنتُ خَلاّعَ العِذارفـإنّــني لَبِسْتُ مِن العلياءِ مَالَيْسَ يُخْلَــعُ
إذَا سَلَّتِ الألحـاظُ سَيفًا خَشيــتُه وفي الحرْبِ لا أَخْشَى ولا أَتَوَقَّـعُ
وإذا ولجنا حاضرة بطليوس ،وجدنا بني الأفطس ،ومن أشهر رجالها المظفر صاحب كتاب" المظفري" المشهور ،ومنهم ابنه المتوكل بن المظفر بن المنصور أبو محمد الذي شهدت المملكة في عهده شيئا من الاستقرار . ذكره صاحب القلائد قائلا (( ملك جنّد الكتائب والجنود ،وعقد الألوية والبنود،وأمر الأيام فأتمرت ،وطافت بكعبته الآمال واعتمرت ،إلى لسن وفصاحة ورحب جناب للوافد،وساحة ونظم يزري بالدار النظيم ،ونثر تسري رقته سري النسيم..))[14]
وإذا كان المتوكل قد عُـرف عنه نثره أكثر من شعره ، إلا أن صاحب الذخيرة ،وصاحب القلائد وصاحب الحلة قد أوردوا له قصيدة [15] ،ختم بها رقعة نثرية كان قد أرسلها المتوكل أيام سلطانه بـيـابْرة إلى أخيه يحي الملك المنصور في بطليوس بعد أن بلغه قدْحٌ فيه حدث بمجلس أخيه المنصور،يصب عليه جام لومه ، وعتابه على ابن أبيه وأمه ، مذكرا إياه بالأخوّة التي كانت تجمعهما وما كان يسديه لأخيه من أفضال ،آملا في كل ذلك أن يطفىء نارا في قلبه محرقة قبل أن يحم الحمام فيشكوه يوم الحشر للملك العدل .
وإذا كان المتوكل قد عُـرف عنه نثره أكثر من شعره ، إلا أن صاحب الذخيرة ،وصاحب القلائد وصاحب الحلة قد أوردوا له قصيدة [15] ،ختم بها رقعة نثرية كان قد أرسلها المتوكل أيام سلطانه بـيـابْرة إلى أخيه يحي الملك المنصور في بطليوس بعد أن بلغه قدْحٌ فيه حدث بمجلس أخيه المنصور،يصب عليه جام لومه ، وعتابه على ابن أبيه وأمه ، مذكرا إياه بالأخوّة التي كانت تجمعهما وما كان يسديه لأخيه من أفضال ،آملا في كل ذلك أن يطفىء نارا في قلبه محرقة قبل أن يحم الحمام فيشكوه يوم الحشر للملك العدل .
فمن هذه القصيدة ـ التي تعتبر نفثة مصدور ،انتهى الجفاء به منتهاه ،وبلغ به أقصى مداه ،والتي تبلغ حوالي أربعة عشر بيتا في المصادر التي أحلنا عليها ـ نقتطف ما يلـي :[الطويل]:[16]
فـمَا بَالُهُمْ لا أَنْعَمَ اللهُ بَالَـهُمْ يُنِيطُونَ بي ذَ مًّا وقدْ عَلِمُوا فَضْلي
يُسِيئُونَ في القَوْلِ جَهْلاً وضـلَّةً وإنِّي َلأرْجُو أنْ يَسُوءَهم فِعْلــي
طَـغَامٌ ،لِئَامٌ ، كِرَامٌ بِزَعْمــِهم سَواسيَّةٌ ،مَا أَشْبَـهَ الحُولَ بالـقُبْل
لَئِنْ كان حقّا مَا أَذَاعُـوافلاَخَطَتْ إلى غايةِ العلياءِ مِن بَعْدِها ِرجـْلي
"وإنِّي وإنْ كُنتُ الأخيرَ زمَانــه" َلآتٍ بمِاَ أَعْيَا الصَّنَاديدَ مِن قَبْـلي
فيَاأيُّهَا السَّاقي أخَاه على النـَّوى كؤوسَ الِقلاَ مَهْلاً، رُوَيْدَكَ باِلعَـلِّ
لِنُطْفىءَ ناَراً أُ ضْرِمَتْ في نفُوسِـنا فَمِثْلِي لاَ يُقلَى ،ومِثلُك لا يَقــلِي
أَلَسْتُ الذي أَصْـفاكَ قِدمًا وِدَاده وألقَى إليكَ الأمرَ في الكُثرِ والقُـلّ؟
وَصَيّركَ الذُّخرَ الغَبـيطَ لِدهـرِه ومَنْ لي ذُخرًا غيرُكَ اليومَ؟ لاَ،مَنْ لي؟
وقدْ كُنتَ تُشكِيني إذَا جِئْتُ شاكيًا قلْ لي:لِمَنْ أشكو صنيعك بي؟ قُلْ لي
فبــَادِرْ إلى الأُولَى ،وإلاَّ فإنَّـني سَأشْكوكَ يومَ الحشْر للمَلِكِ العَدْل
وتعتبر هذه القصيدة الإخوانية ترجمانا لمدى شاعرية المتوكل ،وأخذه من دوحة الشعراء المشاهير من أمثال المعري الذي تبدو روحه حاضرة هاهنا من خلال " وإني وإن كنت الأخير زمانه " .
كما تحضرني ـ وأنا أتصفح هذه الأبيات ـ معاني الشاعرالأموي "المقنع الكِنْدي" ، لمّا لاَمَهُ قومه عن كثرة ديونه[17] التي سدّ بها ثغورا ما أطاقوا لها سدًّ ا [ الطويل] :
يُعَاتِبُنِي في الدَّيْنِ قَوْمِي وإنمَّــا دُيُونِي في أشياءَ تُكْسِبُهُمْ حَمْدا
لذلك لم يكن ابن المظفر قليل الحظ من قرض الشعر ، وهو الذي صاغ هذه المعاني صياغة المتمكن من الصنعة على الرغم من أنه ناثر أكثر منه شاعر .
وأثناء الحديث عن الملوك الشعراء ، لا نُعذَر إذا ما أغفلنا بيتا عُـرف آله بقول الشعر أباً عن جدٍّ ارتضعوا من لبان الشعر العربي ،وتوارثوا قوله جيلا فجيلا ؛ ذلك هو البيت العبادي ،الذي سنقف مع أحد أبنائه بل أشعرهم جميعا من خلال هذا البحث وهو ابن عباد المعتمد على الله .
وإلى أن نحط الرحال في بيته الكريم ـ بعد هذا المدخل الذي اقتضته طبيعةالموضوع ـ نعود قليلا إلى أبيه المعتضد بالله لنقف على مدى شاعريته من خلال المصادر التي اعتمدناها ( الذخيرة، القلائد الحلّة والنفح) على وجه الخصوص.
فالمعتضد بالله عباد ابن ذي الوزارتين القاضي* أبو القاسم محمد بن عباد قد تولى الأمر ـ بعد أبيه ـ سنة ثلاث وثلاثين وأر بعمائة (433 هـ ) وتسمى أولا بفخر الدولة ثم بالمعتضد ، وُ صف بالجبار،وبالمتناقض ولكنه يحسن تسيير أمور دولته، وبالمتهور الذي يتحاشاه القريب مثل البعيد ،طالت يده واتسع بلده يقضي نهاره في تدبير الأمور، وليله في تملي السرور يقال إن له شعرا ينفث به فيما يعنّ له من أمر جُـمع في ديوان وموزع في موضوعات مختلفة من وصف و نسيب ،وفخر، وغير ذلك.[18]
يجمع الملك إلى جانب الدهاء في السياسة، والقسوة في المعاملة ،والشدة في الحكم ،والترف والبذخ الذي يسبغه على ندمائه ذاكرةً واعيةً ، وقريحة شاعرية طيبة ، جعلت معاصريه يضعونه في مراتب أبرز الشعراء قال عنه ابن الأبار (( ونظر مع ذلك في الأدب ـ قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان ـ أدنى نظر بأذكى طبع حصل منه،لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها ، من غير تعهد لها ، ولا إمعان في غمارها ولا إكثار من مطالعتها...أعطته نتيجتها على ذلك ما شاء من تحبير الكلام ، وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة ، في معان أمدّتْه فيها الطبيعة ، وبلغ منها الإرادة ، واكتتبها الأدباء للبراعة )) [19]
ولعل المكانة التي بلغها المعتضد في قومه ، والمنزلة التي وضع فيها من قبل معاصريه ، جعلته يحسب نفسه خير الملوك،فيصرح بذلك قائلا :[ البسيط ] :[20]
هذي السعادةُ قـد قامتْ على قدمٍ وقد جلسْتُ لها في مجلس الكرم
فإنْ أردْتَ إلـَهي بالورى حسنـا فـلِّـكْني زمامَ العُرْب والعَـجـم
فإنّي لا عدَلْتُ الدهـرَ عن حسـن ولا عدلْتُ بهم عن أكرم االـشيـم
فمن خلال هذه الأبيات نتبين اعتداد الشاعر بنفسه ، وافتخاره بمقدرته على أن يتملك زمام العرب والعجم على السواء ،طالبا توفيق الله في ذلك المسعى ، وسوف لن يدخر جهدا في سبيل الوصول بالناس إلى أحسن حال ، ولو كلفه ذلك مقارعة الدهر ، وهو الذي يملك على نفسه تغيير حياته بيده ؛باليِّها بجديدها ، ولا سيما إذا كان الجود والكرم هما ثوباه اللذان يبدل بهما طريفه بتليده ، وفي ذلك يقول :[الطويل ]:[21]
أجـدّدُ في الدنيا ثـيابا جديــدةً يجدّدُ منها الجودُ ما كان باليا
فـما مرَّ بي بخلٌ بخاطِرمهجــــتي ولا مـرّ بخلُ الناس قطّ بباليا
ومنْ يتصفحْ حياة المعتضد بن عباد يجدْه يفرغ الأموال على الشعراء المدّاحين إفراغا ،ليبدوَ في هيئة من العظمة السلطانية ، وينفق مع ندمائه في مجلس اللهو والمتاع ما كان بيده ،في سبيل كسب المحامد ، ولو كان الثمن مهجته ، إذْ يقول : [الطويل ] :[22]
أقـومُ على الأيام خيــرَ مقـام وأُ وقِدُ في الأعداء شـرَّ ضــرام
وأُنفقُ في كسْبِ المحامدِ مُهجَـــتي ولو كان في الـذِّكر الجميلِ حِمَامي
ولم يكن الملك يغيب عن مجالس الأنس التي لا تـنقطع ، بل كان يبيت لياليه مع الساهرين يتقارضون الشعر ، ويتعاقرون الخمر ، حتى تكاد تذهب بحيائهم وجلالهم ، فقال عنهم ابن بسام : (( كان هو وجلساؤه يرتجلون في خلواتهم خمريات هي الغاية في رقة الذوق ، وجمال الأسلوب وربما أودع شعره من المعاني ما يمس العقيدة))[23]في قوله [ مجزوء الكامل ] :[24]
اشْرَبْ على وجْهِ الصَّـباحْ وانْظُرْ إلى نَـوْرِ الأقـَـاحْ
واعْـلمْ بأنَّــكَ جاهـلٌ إِنْ لـمْ تقُـلْ باِلاصْـطباَحْ
فهذان البيتان ـ ومثلهما كثير ـ يمثلان الصورة الحقيقية من حياة جل الملوك ، المتهالكين على الملذات المنغمسين في الشهوات ، المنفقين مما تجود به خزائنهم المملوءات .
إلا أن هذه الليالي الماجنة التي كان يحياها المعتضد وأصحابه ،لم تكن لتقعده عن واجبه ـوإن لم يكن بمستطيع ولاراغب في أن يقلع عن إدمانه للذاته ـ في ساحات الرئاسة ،وعن مجده الذي لايفرط فيه،وفي ذلك يقول:[ الطويل ]:[25]
لعَمرك إني بالمُدامَة قَـــــوّال وإني لِمَا يَهوَى النَّدامَى لفَعّــال
قسَمتُ زمَاني بينَ كدٍّ وراحَـــة فَلِلرَّأيِ أسْحارٌ وللطِّيب آصَـال
فأُمْسِي على اللذَّات واللَّهوِ عاكِفا واُضْحي بِسَاحاتِ الريَّاسة أَخْتال
ولسْتُ علـى الإدمانِ أَغفلَُ بُغْيَتي مِنَ المجدِ إنيِّ في المعَالي لمَحْتـَــال
كما يورد ابن بسام ، وابن الأبار كلاهما بيتين[26] رأياهما من أحسن ،وأجود ما قاله المعتضد الشاعر في مجلس أنسه وشرابه :[ الطويل ] : [27]
شَربْنا وجَفْنُ اللَّيل يَغسلُ كُحلَه بِماءِ الصَّباح والنَّسيمُ رقيـقُ
مُـعَتّقَة ً كالتِّبْرِ أمَّا بُخَارُهــا فضَخْمٌ وأمَّا جِسمُها فَدقيقُ
وله في النسيب شعر يضمنه آلامه التي يكابدها من الهوى ؛ فيشكو بمدامعه حب حبيبته ،بعد أن يصفها بأوصاف حسية ؛بعينيها الغزاليتين ،ونورها المشرق ،وقدها المياس،قائلا :[ الطويل ]:[28]
رعَى اللهُ مَنْ يَصْلَى فؤادي بِحبِّه سَعيرًا،وعَيني مِنهُ في جَنَّةِ الخُلد
غَزاليةُ العينيْن ،شمَسيةُ السَّنا كَثيبيةُ الرِّدْفيْن غُصنيةُ القَـــد
شَكوتُ إليهَا حُبَّهَا بِمدَامِعي وأعْلمتُها مَا قد لَقيتُ مِنَ الوَجْد
وفي معانٍ أمَدَّتْهُ فيها الطبيعة جميل وصفه للـياسـمين :[ مجزوء البسيط ] :[29]
كـأنمَّا ياسمينُـنا الغَـضُّ كوَاكب في السَّماء تَبْيَضُّ
والطـرقُ الحـمْر في جَوانبِه كَخدِّ عذراءَ مَـسَّه عَضُّ
[1] - إميليو غرسية غومس emilio garcia gomez ، الشعر الأندلسي ،ترجمة حسين مؤنس ، مكتبة النهضة المصريةـ القاهرة ـ ط 2
1956 ، ص 45
[2] ـ ابن الأبار ،الحلة السيراء ،2/84
[3] ـ المصدر السابق ،2/85.
[4] ــ الفتح بن خاقان، قلائد العقيان في محاسن الأعيان ، تقديم محمد العناني ،المكتبة العتيقة ، تونس ، 1966، ص51 .
وابن الأبار ، الحلة السيراء ،2/84.
[5] ـ الفتح بن خااقان ، قلائد العقيان ،1/52
[6] ـ ابن الأبار ،الحلة السيراء ،2/87.
[15] ـينظر :ابن بسام ، الذخيرة ،2/2 ،ص 648. والفتح بن خاقان، القلائد ،2 / 41. وابن الأبار، الحلة ،2 / 104.
[16] ـ ابن الأبار ،الحلة السيراء ،2/105،104.
* هو محمد بن إسماعيل بن عباد قاضي إشبيلية ، كان من أهل العلم والعناية برجاله . تولى القضاء في حياة أبيه إسماعيل، ثم انفرد بالحكم والتدبير بعد أبيه . وكان هو المؤسس الفعلي للدولة العبا د ية . توفي في جمادى الأولى سنة 433 هـ ، ودفن بالقصر ، فخلفه ابنه عباد الملقب بالمعتضد بالله .ينظر : ابن الأبار ، 2/34، وما يليها .
[18] - ينظر: ابن الأبار، الحلة السيراء، 2/43، وما يليها.
[19] ـ ابن الأبار ، الحلة السيراء ،2/42.
[20] ـ المصدر نفسه ، 2/45.
* " مــا " : هنا زائدة .
[21] ـ ابن الأبار ، الحلة السيراء ، 2/43.
[22] ـ المصدر نفسه ،2/44.
[25] ـ ابن الأبار ،الحلة السيراء ،2/46.
المقال من أهم الموضوعات الأدبية في تاريخ الشعر في الأندلس إبان القرن الخامس الهجري.
ردحذف