السبت، 26 نوفمبر 2011

الحياة الثقافية والأدبية في قصور الأندلس بقلم الأستاذ : شاكر لقمان


على الرغم من الفتن والاضطرابات التي سادت ممالك الطوائف في القرن الخامس الهجري بسبب الانقسام، واختلاف الرأي،  الأمر الذي كان مناسبا للنصارى لاستجماع قواهم وتوحيد صفوفهم للإجهاز على هذه الممالك واحدة تلو الأخرى، إلا أن الثقافة – عموما – استطاعت أن تخطو خطوات عملاقة وعرفت هذه الفترة بفترة الازدهار الثقافي والأدبي والعلمي التي احتضنتها قصور الأمراء والملوك . وكان من بين هذه النشاطات[1] العلمية والثقافية العلومُ الدينيةُ ، التي كانت لها في القرن الخامس الهجري المكانة المرموقة ، على الرغم من ظاهرة التفسخ الأخلاقي ، والانغماس في ملذات الدنيا ،التي أقبلوا عليها إقبالا كبيرا ،و من جهة أخرى لقي العالم المشتغل بهذه العلوم  الاحترام الكبير والتقدير الجليل من قبل الخاصة والعامة على السواء . ونظرا لتأثير هذه الفئة في المجتمع الأندلسي ،سعى الأمراء في تقريبهم من مجالسهم وبذل الهبات لهم لإسكات ألسنتهم وإرضائهم  ومنع تأليب قلوب العامة عليهم .
كما نشطت العلوم اللغوية ،وبدا الاهتمام ملحوظا لديهم بعلم النحو والصرف ، والبلاغة والعروض وغيرها ،وبرع في هذا الميدان علماء ولغويون[2] ، فكانوا في عصرهم كما كان الخليل وسيبويه في عصرهما إلى جانب علم التاريخ الذي كان عندهم من أنبل العلوم وأشرفها ،وكثيرا ما كانوا يمزجون بينه وبين الأدب نظما ونثرا  .
بالإضافة إلى ذلك اهتم الأندلسيون بالفلسفة والتنجيم،وقد لقي المشتغلون بهما معارضة شديدة من قبل الفقهاء ورجال الدين ،الأمر الذي أدى ببعض الأمراء والملوك أن يحرقوا كتب هؤلاء الموصوفين آنئذ بالزنادقة .
   أما الأدب ـ ولاسيما الشعر ـ فكانت سوقه نافقة ، ومجالسه ((  من أكبر مسارح الأفكار،وأفخم مظاهر الجمال ، وأجمع أنواع الأدب ، واللهو والجِد والهزل...))[3] ، وأكثر أنواع الثقافة انتشارا ورواجا في الأندلس في فترة ملوك الطوائف بخاصة ،و(( من هنا كان هذا الزمان عصرا عظيما للشعر والشعراء  إذْ تنافس ملوك الطوائف في اجتذاب الشعراء إلى نواحيهم...ولكن عناية بني عباد أصحاب إشبيلية به كانت أعظم وأشمل )).[4]
   ولقد أسهم في ا نتشار هذه الآداب والثقافات باختلاف أنواعها أسبابٌ وعواملُ متنوعة ،نذكر منــها :
1 ـ الحسّ الثقافي لدى الحكام وبذل التشجيع :
لقد شهد عصر ملوك الطوائف استقطابا للعلماء ،والمشتغلين بالثقافات المختلفة ، وكان ذلك راجعا بالدرجة الأولى إلى شخص الحاكم نفسه الذي كان يسعى جاهدا إلى أن يكون له السبق في كل المجالات ولاسيما السياسية منها،التي استتبعها تنافس في العلم والأدب ،حيث إن كل ملك منهم كان يسعى إلى أن يجعل مجلسه محجة للعلماء وأولي الأدب، وقد أشار أبو الوليد الشقندي إلى ذلك فقال((... فما كان معظم مباهاتهم إلا قول: العالم الفلاني،عند الملك الفلاني، والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني، وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم ،ونبهت الأمداح من مآثره ما ليس طول الدهر بنائم))[5].
 وكان هؤلاء الشعراء المنتمون إلى إحدى بلاطات الأمراء يتقاضون أجرة شهرية أو سنوية مقررة،بالإضافة إلى الجوائز التي قد تقل، أو تكثر بحسب مستوى القصيدة، ومدى وصولها إلى جيب الحاكم عن طريق قلبه وعقله، وبحسب امتداد يد الأمير أو قبضها.
فهذا مجاهد الصقلي أمير دانية الذي استقطب جماعة من أهل قرطبة للين جنابه، وذكاء شهابه، قال عنه صاحب الذخيرة (( ... وكانت دولته أكثر الدول خاصة، وأسرها صحابة، لانتحاله العلم والفهم فأمَّهُ جملة العلماء ، وأنسوا بمكانه، وخيموا في ظل سلطانه ..))[6] فكان بلاطه بذلك مقصد القرطبيين، وحلبة ظاهرة، على الرغم من كونه من أزهد  الناس في الشعر، وأحرمهم لأهله، وأنكرهم على منشده ، إلا أنه كان لا يضم من الفرسان إلا الأبطال الشجعان، منهم أبوعمرو المقرئي، وابن عبد البر، وابن معمر اللغوي وأشهرهم  جميعا ابن سيده الذي ألف لهذا الأمير أشهر مؤلفاته "المحكم" و" المخصص " .لذلك لم يكن من الغرابة في أن يولي أبا العباس أحمد بن رشيق   جزيرة ميورقة (( فكان ينظر فيها نظر العدل والسياسة ويشتغل  بالفقه والحديث، ويجمع العلماء والصالحين،ويؤثرهم ويصلح الأمور جهده )).[7]
وفي المريّة ،  نجد أبا يحيى بن معن صمادح التجيبـي،  الملقب بالمعتصم بالله الواثق بفضل الله الذي : ((كان رحب الفناء، جزيل العطاء، حليما عن الدماء والدهماء، فطافت به الآمال، واتسع فيه المقال وأُعملت إلى حضرته الرحال))[8].

كما كان يجلس في  الأسبوع يوما إلى الفقهاء والمثقفين،يتدارسون القرآن والحديث، ويخوضون في مسائل فكرية متشعبة. وازدان مجلسه بوجوه سمحة، وشعراء فحول كأبي عبد الله بن الحداد وابن عبادة،وابن مالك والأسعد بن بليطة، وأبي حفص بن  الشهيد ((رغم اتصافه  بكثرة الجبن وقلة الجود،وعلى ذلك قصده العلماء والأدباء)).[9]
وفي سرقسطة كان المقتدر[10] بالله بن هود ( ت473 هـ )، وابنه يوسف477 هـ) من أكبر المعنيين بالعلوم، المشاركين فيها فكان المقتدر معنيا بالفلسفة والرياضيات، والفلك، بينما كان للثاني تأليف في الفلك يسمى " كتاب الاستكمال".
أما في بطليوس عاصمة بني الأفطس فبرز إلى الوجود المظفر أبو بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس، يصفه ابن بسام  بقوله (( أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع وله  التصنيف الرائق والتأليف الفائق،المترجم بالتذكرة ، والمشتهر اسمه أيضا بـ " كتاب المظفر " في خمسين مجلدة)) [11]ويعرف مؤلفه باسمه المشهور"المظفري"  فجمع فيه صاحبه من العلوم،والفنون والمغازي، والسير، والأمثال والأخبار وما يختص بعلم الأدب.
 وللمظفر لفتات نقدية مشهودة ،تروى عنه في إنكاره للشعر على قائله في زمانه وهو الذي يقول ((مَن لم يكن شعره مثل شعر المتنبي أو شعر المعري،فليسكت))[12].
  كما اشتهر في حضرة بطليوس المتوكل بن المظفر المنصور أبو محمد ،الذي كان رحب الجناب للوافدين،معروفا بمهارته هو نفسه في الشعر والنثر،ولذلك لم تدخر حضرة  بطليوس جهدا في زمان المظفر وابنه في تشجيع الأدب نثرا و شعرا [13]. ولمع في هذه الدولة جماعة من الشعراء والكتاب الذين لاقوا الرعاية  والاهتمام منهم عبد المجيد بن عبدون،وابن البين البطليوسي ،وأبو بكر بن عبد العزيز ابن سعيد وأبو بكر ابن قزمان،وغيرهم .
أما حضرة إشبيلية ،التي كانت قاعدة الجانب الغربي من الجزيرة ،وقرارة الرياسة،ومركز الدول المتداولة (( فاشتمل هذا القطر الغربي لأول تلك المدة على بيتي حسب ،وجمهوري أدب ؛مملكتان من لخم وتجيب،مصّرتا بلاده ، وأكثرتا رواده ، فأتاه العلم من كل فج عميق ،وتبادره العلماء من بين سابق ومسبوق  وكـلما نشأ من هذين البيتين أمير كان إلى العلم أطلبَ ، وفي أهله أرغب،والسلطان سوق يُجلب إليه ما ينفق لديه ...)).[14]
 لذا كانت عاصمة بني عباد موطن الأدب في الأندلس قاطبة ،وكان حكامها ذوي موهبة متأصلة  ولاسيما في عهد المعتضد ، الذي عرف عنه مشاطرته للشعراء والبلغاء فيما يقولون ، ويَنظمون ، بسطا لهم وإقامة لهممهم ،واهتماما بهم ،الأمر الذي حدا به أن يحد ث ديوانا خاصا ضمن دواوين دولته لهذه الفئة ،ويخصص في الأسبوع يوما يلقى فيه الشعراء الذين كان يغدق عليهم بما عرف عنه من إتلاف للمال ،وكثرة التبرع،فبدا في هيئة من العظمة كبيرة . وجاء بعده ابنه محمد بن عباد المعتمد على الله خليفة لأبيه المعتضد،وفي هذا الحدث العظيم ،قال أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري الكفيف(ت488.هـ)
[ مجزوء الرمل ]:[15]             
مَـا تَ عبَّـادٌ ولَــكـنْ       بَقِيَ الفَرْعُ الكَــرِيمُ                                                فكـأنّ المـيْـــتَ حَـٌّي        غيْرَ أنَّ الضَّادَ مِيــمُ
فكان المعتمد على الله الفرع الفينان من المعتضد الأصل الثابت ،من مشاهير شعراء الأندلس ،ومكانته بخاصة أهم من مكانة أبيه ،وهو من شعراء العربية الذي أشاد بفضله غرسية غومس garcia gomez ((...يمثل الشعر من ثلاثة وجوه :أولها أنه كان ينظم شعرا يثير الإعجاب ، وثانيها أن حياته نفسها كانت شعرا حيا ، وثالثها أنه كان راعي شعراء الأندلس أجمعين ، بل شعراء الغرب الإسلامي كلـه ))[16].
  وتجمع حول بلا ط بني عباد ـ وبخاصة في عهد المعتضد وابنه المعتمد ـ  شعراء العصر من أمثال ابن زيدون ، ابن اللبانة ،ابن عمار[17] ، ابن وهبون وابن حمديس الصقلي ،وغيرهم كثير .وقد بذل كل ملك للعلماء والأدباء بسخاء أموالا طائلة ؛لأجل تقريبهم ،والاحتفاظ بهم في قصورهم ؛ فقد كان المعتمد لا يتوانى في منح الشعراء أكياسا من الذهب والفضة استبقاءً ، واسترضاءً لهم وكان لايرد طلب شاعر ولو غالى  في الطلب .
  تلك هي الصورة العامة التي شهدتها بلاطات الملوك ،والأمراء في عصر الطوائف . كما أن هذه التشجيعات  المادية والمعنوية التي كان يبذلها هؤلاء الحكام ،قد كانت متفاوتة من إمارة إلى أخرى ،ومن حاكم إلى آخر، إذ كان يروى عن صاحب السهلة عبد الملك بن هذيل أنه كان ((متعسفا على الشعراء متعسرًا بمطلوبهم من ميسور العطاء))[18].
  والأمر نفسه مع بني هود، على الرغم من  احتفال  مجالسهم بالعلماء ،إلا أنهم (( غلبت عليهم دون ملوك الطوائف الشجاعة والشهامة ،وقبضوا أيديهم،فقلّت أمداحهم ،وترك الشعراء  انتجاعهم إلا في الغِـبِّ والنادر ، على سعة مملكتهم ، و وفور جبايتهم))[19].
وأمافي قرطبة ،فيرى إحسان عباس أن دولة بني جهور لم تكن تبذل من التشجيع ما يكون في مستوى أبنائها الذين ذاع سيطهم في الآفاق من مثل صاحب الوزارتين ابن زيدون ،والشاعرة ولادة بنت المستكفي  وأبي الحسن بن سراج ، وغيرهم[20] .
  وبعد ،فقد تبين لنا بقدر ـ يمكن أن يكون كافيا ـ مبلغ رواج  نمط ثقافي على حساب آ خر ، وفي مملكة دون أخرى ، ولعل ذلك يرجع إلى مدى ميول كل حاكم من جهة ، وإلى مقدار العطاءات والتشجيعات ـ قلة وكثرة ـ التي يبذلها رعاة العلم والأدب والثقافة، الذين كانوا على قدر كبير من الثقافة، وحظ وفير من الموهبة الشعرية، التي تتفاوت من ملك إلى آخر، وذلك ما سنعرفه في الصفحات الموالية.


[1] ـ ينظر: المقري التلمساني،أحمد بن محمد ، نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب ،تح إحسان عباس،دار صادر ،بيروت ـ لبنان ـ  
            1979 ، 4/358 ، 1/221 ،222.
[2] ـينظر: المصدر نفسه ،1/221.
[3] ـ أحمد ضيف ، بلاغة العرب في الأندلس ، دار المعارف للطباعة والنشر،سوسة ـ تونس ـ ط2 ، د، ت، ص 35.
[4] ـ إميليو غرسية غومس emilio garcia gomez ،الشعر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، مكتبة النهضة المصرية،القاهرة
            1956 ، ص 45.
[5] ـالمقري ، نفح الطيب ، 3/189 ،190.
[6]- ابن بسام ، أبو الحسن علي، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تح إحسان عباس، الدار العربية للكتاب،ليبيا،تونس ،3/1 ،ص 22
      3/1 ،ص 22 ،1981.
[7]- ابن الأبار ،أبو عبد الله محمد بن أبي بكر القضاعي، الحلة السيراء، تح حسين مؤنس ، دار المعارف ، مصر،ط2 ،1985 ،2/128.
[8]ـ المصدر نفسه ،2/82.
[9]ـ المصدر السابق ،2/82 ،83.
[10]ـ آنخل جنثالث بالنثيا angel gonzalez palencia ، تاريخ الفكر الأندلسي ، ترجمة حسين مؤنس ، مكتبة الثقافة الدينية ، القاهرة1955.                                                                         
[11] ـ ابن بسام ، الذخيرة ، 2/2 ، ص 640
[12] - المصدر نفسه، ص 641.
[13] - ينظر: إحسان عباس ،تاريخ الأدب الأندلسي ـ عصر الطوائف والمرابطين ،دار الثقافة ـبيروت ـلبنلن ـط7،1985،ص72
[14] - ابن بسام، الذخيرة، 2/1 ، ص 12.
[15] - ابن الأبار ،الحلة السيراء ،2/54
[16] - آنخل جنثالث بالنثيا angel gonzalez palencia ،تاريخ الفكر الأندلسي ،ترجمة حسين مؤنس ،مكتبة الثقافة الدينية ـ القاهرة ، ص 89.
[17] - ينظر: عمر ربوح، أبو بكر محمد بن عمار الأندلسي – حياته وشعره – رسالة ماجستير – جامعة باتنة – 1996 
[18] - آنخل جنثالث بالنثيا  ANGEL GONZALEZ PALENCIA، تاريخ الفكر الأندلسي، ص 89.
[19] - ابن الأبار، الحلة السيراء، تح حسين مؤنس، دار المعارف – مصر – ط2 ، 1985، 2/110
[20] - ينظر: إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي – عصر الطوائف والمرابطين – ص78

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق