عناية الأمم بلغاتها
بقلم : الأستاذ: شاكر لقمان
قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة أم البواقي/الجزائر.
تُعنى الأمة الحيّة بلغاتها الحية أيما عناية ، فتعمل على نشرها والاعتزاز بها والتمسّك بأصولها رمزا لهويتها وذاتيتها ، فها هي ذي اليابان قد استسلمت في الحرب العالمية الثانية تحت وطأة القنابل الذرية الأمريكية ، واستطاع هؤلاء الأمريكيون أن يفرضوا شروطهم المجحفة على اليابان ؛ كتغيير الدستور وحلّ الجيش ونزع السلاح ،إلى غير ذلك من مظاهر التسلط وفرض القوة ، ولم يكن لهذه الدولة المستسلمة إلا أن ترضخ و تتضع ، إلا أمام شرط وحيد ، ظلت به متمسكة وعنه غير متخلية ، ألا وهو لغتها القومية في التعليم ، لتبقى بذلك وتظل اللغة اليابانية منطلق نهضتها العلمية والصناعية الجديدة .
والأمر نفسه نجده عند الكوريين ، الذين يمتلكون أزيد من عشر قنوات ومائة قناةٍ تلفزية ، كلها خاصّة ، إلا قناة حكومية واحدة ، وتبث جميعها برامجها باللغة الكورية ؛ لأن القائمين عليها ينطلقون من وعي جماعي ، ليس بحاجة إلى تقنين فوقي ، ولا تعليمات مُملاة على عقولهم، وإنما يفعلون ذلك ؛ لتحسُّسِهم بخطورة التفريط في هذا المقوّم ، الذي يجمع الكل ، ولا يتخلَّف عن الاهتمام به إلا غيرُ العارفين بخطورة ذلك !. أما في الفيتنام ، فقد دعا القائد الفيتنامي " هوشي مينه " أبناء أمته إلى التمسك بلغتهم ، ولا يفرطون في ذلك ، قائلا: « لا انتصارَ لنا على العدو إلا بالعودة إلى ثقافتنا القومية ولغتِنا الأمِّ ». وأضاف : « حافظوا على صَفاءِ لغتكم حفاظَكم على عيونكم ، حَذارِ مِنْ أن تضعوا كلمةً أجنبية في مكانٍ بإمكانكم أن تضعوا فيه كلمةً فيتناميةً ».
ولنا في الدول الأخرى أكثر من مثال ، يُعطي صورة واضحة على مدى الحرص الشديد ، الذي يوليه أولو الأمر ، ودرجة العناية ، التي يقدمها المتحدثون بلغات أقوامهم .
وإذا كانت الشعوب المتقدمة تعتز بلغاتها ، وتبذل ما في وسعها من أجل الحفاظ عليها ورفع مستوى الأداء بها ، فإن العربية أحق منها جميعا ؛ لأنها اللغة التي تحمل كلام الله تعالى في الرسالة السماوية الخاتمة، واستطاعت أن تحمل حضارة عريقة امتدت قرونا طويلة، وانتشرت في بقاع كثيرة من الأرض وأسهمت إسهاما مباشرا في قيام الحضارات الإنسانية المعاصرة .
وعلى الرغم من أن اللغة العربية اعتبرت و لمدة طويلة لغة ً ثانوية لا يدرسها غير عددٍ محدود من الناس كالباحثين ، أصبحت الآن لغة ً ذات شعبية و لها متعلمون ،وأعدادهم في ازدياد . وقد أصبحت لغتنا عالمية بعد ظهور الإسلام حينما هبَّ العرب المسلمون ـ بحب كبير وعزيمة أكبر ـ لنشر الدين الإسلامي ولغة القرآن الكريم في أصقاع الأرض ؛ في ممالكَ كانت خاضعةً للإمبراطورية الفاريسية وأخرى للرومانية ، وتمكنوا بتوفيق من الله ـ سبحانه وتعالى ـ وفي ظرف قصير ، بالنظر إلى حجم المهمة ، التي أُوكِلُوا بها، أن يبلغوا بها الآفاق .
ونشطت بعد ذلك حركة تعريب الدواوين الإدارية وشؤون المال والضرائب لأن بعضها كان يجري باللغة الفاريسية كالعراق وما جاورها ، والبعض الآخر باللغة الرومية في بلاد الشام ونصر وإفريقيا ، في الوقت ، الذي كان الأمر في الأندلس باللغة اللاتينية .
وما المكانة ، التي بلغتها اللغة العربية من التقدم والنجاحات ، والانتشار إلا دليل على خصوصيتها من جهة ؛ والمتمثلة في خصائصها ؛ من مثل الخصائص الصوتية ، والاشتقاق ، ومميزات الكلمة العربية ومعانيها ، والإيجاز وأنواعه وحرص أبنائها الخُلَّص على إحلالها هذه المكانة ، التي كانت عليها من جهة ثانية.
وذاع للغة العربية سيطها، وانتقلت من العالم الإسلامي إلى العالم غير الإسلامي في أوربا وأمريكا ، وإفريقيا ، فكان إقبال هذه الأمم على تعلمها ؛ من أجل تسهيل التعاملات التجارية والصناعية الأوروبية والأمريكية مع البلدان العربية .
وكانت تركيا من بين البلدان ، التي تشهد اللغة العربية فيها رواجا وازدهارا غير مسبوقين منذ سنوات طويلة ؛ نتيجة الانفتاح التركي على العالم العربي خاصة بعد إلغاء نظام تأشيرة الدخول إلى عدد كبير من الدول العربية ،وقد ذُكر أن إلغاء تأشيرات الدخول ، وتطور العلاقات بين تركيا، ودول الخليج والشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان والسعودية وليبيا وإيران والعراق ، قد أدى إلى إقبال المواطنين الأتراك على تعلم اللغة العربية . كما كانت أمريكا من بين الدول السّبّاقة إلى نشر اللغة العربية في جامعاتها ، ومعاهدها ، واحتل المرتبة الأولى بين صفوفهم رجالُ المال والأعمال، بحكم الارتباطات التجارية، التي تحكمهم بالدول العربية .
وفي الأخير يحلُو لنا أن نختم هذه السطور بمقولة للشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، وهو يتحدث عن اللغة العربية، فيقول : « اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة ولا دخيلة ، بل هي في دارها ، وبين حُماتها وأنصارها وهي ممتدة الجذور مع الماضي ، مشتدة الأواخي مع الحاضر ، طويلة الأفنان في المستقبل ... ».
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق